حبيب الله الهاشمي الخوئي
225
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
حال من ضمير إليها وقوله : لرأيت أشجان قلوب جواب لو مثلتهم . المعنى اعلم أنّه لمّا افتتح كلامه في الفصل السابق بالتّوبيخ والتّعريض على المتكاثرين بالأموات ، واستطرد بشرح حال الموتى في البرزخ وإبانة فظايعهم اتبعه بهذا الفصل للتّنبيه على بقيّة حالاتهم فقال : ( جيران لا يتأنّسون وأحبّاء لا يتزاورون ) يعنى أنّهم جيران لقرب قبورهم ولكن لا يقدرون على الاستيناس ، لأنّ الموانسة من صفات الأحياء ، وأحبّاء لقرب أبدانهم فيها أو لمحابتهم في دار الدّنيا ولكن لا يستطيعون التّزاور لأنّ الزّيارة من حالات المتّصفين بالحسّ والحياة وهو عبارة أخرى لقوله عليه السّلام في بعض كلماته تدانوا في خططهم وقربوا في مزارهم وبعدوا في لقائهم . ( بليت بينهم عرى التّعارف وانقطعت منهم أسباب الإخاء ) يعنى أنّهم مع ما كانوا عليه في الدّنيا من معرفة بعضهم بعضا والمحبّة والمودّة والاخوّة الَّتي كانت بينهم ، فقد بليت عراها يعنى وصلها واندرست وانقطعت حبالها وانفصمت بحلول الموت ونزول الفناء والفوت . ( فكلَّهم وحيدوهم جميع وبجانب الهجر وهم أخلاء ) أي كلّ واحد منهم وحيد حقيقة وهم مع ذلك مجتمعون صورة لاجتماع مقابرهم ، وكلّ منهم في جانب الهجر واقعا مع خلَّتهم ظاهرا بمقتضى قرب الجوار ، أو المراد بالاجتماع والخلَّة ما كانوا عليه في الدّنيا من المودّة والصّداقة والأوّل أظهر ، وقد أشار إليه الشريف الرّضى في قوله : بأدون في صور الجميع وأنهم متفرّدون تفرّد الآحاد قال الشّارح المعتزلي : فان قلت : ما معنى قوله : بجانب الهجر ، وأىّ فايدة في لفظة جانب في هذا الموضع قلت : لأنّهم يقولون : فلان في جانب الهجرة وفي جانب القطيعة ولا يقولون في جانب الوصل وفي جانب المصافاة ، وذلك أنّ لفظة جنب في الأصل موضوع للمباعدة ومنه قولهم : الجار الجنب وهو جارك من قوم غرباء يقال : جنب الرّجل